تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
وغطفان . قالوا : إن لنا عيالا ، وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيئ على أهالينا ومواشينا ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم « سيغنيني اللَّه عنكم » وعن مجاهد : نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم اللَّه - تعالى - وعن قتادة : اعتذروا بالكذب . . . « 1 » . وعلى هذا الرأي تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين - أيضا - من الأعراب ، إلا أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة ، وثانيهما لم يعتذر ، بل قعد في داره مصرا على كفره ، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان سيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم اللَّه - تعالى . بقوله * ( وجاءَ الْمُعَذِّرُونَ ) * ، وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على اللَّه وهم المنافقون ، فتوعدهم اللَّه بقوله : * ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . والذي يبدو لنا أن الرأي الأول أقرب إلى الصواب لتناسقه مع ما يفيده ظاهر الآية ، لأن الآية الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب ، أحدهما : المعذرون . أي أصحاب الأعذار ، وثانيهما : الذين قعدوا في بيوتهم مكذبين للَّه ولرسوله ، فتوعدهم - سبحانه - بالعذاب الأليم ، ولأنه لا توجد قرينة قوية تجعلنا نرجح أن المراد بالمعذرين هنا ، أصحاب الأعذار الباطلة ، لأن التفسير اللغوي للكلمة - كما نقلنا عن القرطبي - يجعلها صالحة للأعذار المقبولة ، فكان الحمل على حسن الظن أولى ، واللَّه ، تعالى ، بعد ذلك هو العليم بأحوال العباد ، ما ظهر منها وما بطن . وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة : وعند ما استنفر النبي صلى اللَّه عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك ، جاءه أصحاب الأعذار من الأعراب ليستأذنوه في عدم الخروج معه ، فقبل صلى اللَّه عليه وسلم ما هو حق منها . وقوله : * ( وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّه ورَسُولَه ) * بيان للفريق الثاني من الأعراب وهو الذي لم يجئ إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم معتذرا . أي : وقعد عن الخروج إلى تبوك ، وعن المجيء إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم للاعتذار ، أولئك الذين كذبوا اللَّه ورسوله في دعوى الإيمان ، وهم الراسخون في النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية . وقوله : * ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * وعيد لهم بسوء العاقبة في الدارين .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 300 .