تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وجاء الكلام في صورة الأمر ، للمبالغة في تساوى الأمرين ، وعدم الاعتداد بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية . وقوله : * ( لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ) * بيان لثمرة إنفاقهم . أي : لن يتقبل منكم ما أنفقتموه ، ولن تنالوا عليه ثوابا . وقوله : * ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ) * تعليل لعدم قبول نفقاتهم . أي : لن تقبل منكم نفقاتكم بسبب عتوكم في الكفر ، وتمردكم على تعاليم الإسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة . قال القرطبي ما ملخصه . وفي الآية دليل على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة ، وجبر الكسير ، وإغاثة الملهوف ، لا يثاب عليها ، ولا ينتفع بها في الآخرة ، بيد أنه يطعم بها في الدنيا . دليله ما رواه مسلم عن عائشة - رضى اللَّه عنها - قالت : قلت يا رسول اللَّه ، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وروى عن أنس قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن اللَّه لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل للَّه بها في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها » « 1 » . وقال الجمل : وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين ، فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه اللَّه ، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه « 2 » . ثم بين - سبحانه - على سبيل التفصيل لمظاهر فسقهم - أن هناك ثلاثة أسباب أدت إلى عدم قبول نفقاتهم . أما السبب الأول فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : * ( وما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّه وبِرَسُولِه . . ) * . أي : وما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم باللَّه - تعالى - ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم . فالاستثناء من أهم الأشياء . والضمير في « منعهم » هو المفعول الأول للفعل ، وقوله :
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 161 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 289 .