تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وقوله : * ( وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كافِرُونَ ) * بيان لسوء مصيرهم في الآخرة بعد بيان عذابهم في الدنيا . وزهوق النفس : خروجها من الجسد بصعوبة ومشقة . يقال : زهقت نفسه تزهق إذا خرجت ، وزهق الشيء إذا هلك واضمحل ، ومنه قوله - تعالى - : وقُلْ جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ . . . والمعنى : لا تعجبك - أيها العاقل - أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، ويريد كذلك أن تخرج أرواحهم من أجسادهم وهم كافرون ، فيعذبهم بسبب كفرهم عذابا أليما . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت المنافقين بسوء المصير في الآخرة ولن يحسد إنسان مصيره كهذا المصير . قال الإمام الرازي : ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه - سبحانه - لما بين قبائح أفعالهم ، وفضائح أعمالهم ، بين ما لهم في الآخرة من العذاب الشديد ، وما لهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة ثم بين في هذه الآية أن ما يظنونه من منافع الدنيا ، فهو في حقيقته سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند ذلك يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدنيا والدين ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا . . . » « 1 » . وبعد أن بينت السورة الكريمة أن هؤلاء المنافقين قد خسروا الدنيا والآخرة ، أتبعت ذلك بالحديث عن رذائلهم وقبائحهم التي على رأسها الجبن والكذب فقال - تعالى - : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 56 إلى 57 ] ويَحْلِفُونَ بِاللَّه إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وما هُمْ مِنْكُمْ ولكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْه وهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) أي : أن هؤلاء المنافقين يحلفون باللَّه لكم - أيها المؤمنون - « إنهم لمنكم » أي : في الدين والملة ، والحق أنهم ما هم منكم ، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون الكفر ، فهم كما وصفهم - سبحانه - في قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه ، واللَّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ، واللَّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 452 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 320 | سيد محمد طنطاوي