تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
من وراء جهادهم فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم ، وأن يفوضوا الأمر فيها للَّه ورسوله عن إذعان وتسليم . وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء ، وأن المراد بالأنفال ما شرط للغازى زيادة على سهمه ، وأن حرف « عن » زائد ، أو هو بمعنى من ، فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال التي وعدتهم بها زيادة على سهامهم فيها . قل لهم : الأنفال للَّه ولرسوله . والذي نراه أن الرأي الأول أرجح وذلك لأمور منها : 1 - بعض الروايات التي وردت في أسباب نزول هذه الآية تؤيده تأييدا صريحا ، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال : « فينا معشر أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه اللَّه من أيدينا . فجعله إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء » . 2 - ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها وأثرها بين المسلمين والكافرين ، وكانت غنائمها الضخمة التي ظفر بها المؤمنون من المشركين ، حافزا لسؤال بعض المؤمنين رسولهم صلى اللَّه عليه وسلم عن حكمها وعن المستحق لها . 3 - ولأن الجواب عن السؤال بقوله - تعالى - : * ( قُلِ الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ ) * يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها ، إذ أن هذا الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى اللَّه ورسوله دون تدخل أحد سواهما . ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جوابا له ، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم باللَّه والرسول لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه ، لأنهم إنما يسألونه بموجب شرطه لهم الصادر عنه بإذن اللَّه - تعالى - لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور » « 1 » . 4 - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك « فاتقوا اللَّه وأصلحوا ذات بينكم . . إلخ » يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا في شأنها ، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا التنازع ، ويأمرهم بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضب اللَّه . . . ولو كان السؤال للاستعطاء - بناء على ما شرطه الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لبعضهم زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه ، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 161 .