تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
5 - ولأن الآية الكريمة بمنطوقها الواضح ، وبتركيبها البليغ ، وبتوجيهها السامي ، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها . . أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه . والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة - كما سبق أن بينا - : يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ، ومن المستحق لها ؟ قل لهم : الأنفال للَّه يحكم فيها بحكمه ، ولرسوله يقسمها بحسب حكم اللَّه فيها ، فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده ، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه الجمع بين ذكر اللَّه والرسول في قوله : * ( قُلِ الأَنْفالُ لِلَّه والرَّسُولِ ) * ؟ قلت : معناه أن حكمها مختص باللَّه ورسوله ، يأمر اللَّه بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول أمر اللَّه فيها ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأى أحد ، والمراد : « أن الذي اقتضته حكمة اللَّه وأمر به رسوله أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي » « 1 » . وقوله : * ( فَاتَّقُوا اللَّه وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * حض لهم على تقوى اللَّه وامتثال أمره ، وإصلاح ذات بينهم ، وتحذير لهم من الوقوع في المعاصي والنزاع والخلاف . وكلمة * ( ذاتَ ) * بمعنى حقيقة الشيء ونفسه ، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر ، كذات الصدور ، وذات الشوكة . وكلمة * ( بَيْنِكُمْ ) * ، من البين ، وهو مصدر بان يبين بينا ، متى بعد ، ويطلق على الاتصال والفراق ، أي : على الضدين ، ومنه قول الشاعر :
فو اللَّه لولا البين لم يكن الهوى ولولا الهوى ما حس للبين آلف
والمراد به في الآية الاتصال . أي : فاتقوا اللَّه - أيها المؤمنون - ، وأصلحوا نفس ما بينكم وهي الحال والصفة التي بينكم والتي تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام . وإصلاحها يكون بما يقتضيه كمال الإيمان من الموادة والمصافاة ، وترك الاختلاف والتنازع ، والتمسك بفضيلة الإيثار .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 195 ، طبعة دار الكتاب العربي بيروت .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 27 | سيد محمد طنطاوي