تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
قال الآلوسي : قوله * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * جوابه محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه ، أو المذكور هو الجواب على الخلاف المشهور . وأيا ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم ، وهو يكفى في التعليق بالشرط . والمراد بالإيمان : التصديق . ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر ، على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة . وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر ، فالمعنى : إن كنتم كاملى الإيمان ، فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة : الاتقاء ، والإصلاح ، وإطاعة اللَّه - تعالى - . ويؤيد إرادة الكمال قوله - سبحانه - بعد ذلك * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ . . . ) * إذ المراد به قطعا الكاملون في الإيمان وإلا لم يصح الحصر . . » « 1 » . وعلى أية حال ففي هذا التذييل تنشيط للمخاطبين ، وحث لهم على الامتثال والطاعة ، ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا ، متفقا مع كل ما جاءهم به رسولهم صلى اللَّه عليه وسلم من هدايات وإرشادات ، ومتساميا عن كل ما يخدش صفاءه ونقاءه من متع وشهوات . ثم وصف - سبحانه - المؤمنين الصادقين بخمس صفات ، وبشرهم بأعلى الدرجات ، فقال في بيان صفتهم الأولى : * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . ) * فالجملة الكريمة مستأنفة وهي مسوقة لبيان أحوال المؤمنين الذين هم أهل لرضا اللَّه وحسن ثوابه ، حتى يتأسى بهم غيرهم . وقوله * ( وَجِلَتْ ) * من الوجل وهو استشعار الخوف . يقال : وجل يوجل وجلا فهو وجل ، إذا خاف وفزع . والمراد بذكر اللَّه : ذكر صفاته الجليلة ، وقدرته النافذة ، ورحمته الواسعة ، وعقابه الشديد ، وعلمه المحيط بكل شيء ، وما يستتبع ذلك من حساب وثواب وعقاب . والمعنى : إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر اسم اللَّه وذكرت صفاته أمامهم ، خافت قلوبهم وفزعت ، استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه ، وحذرا من عقابه ، ورغبة في ثوابه ، وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وشدة مراقبتهم للَّه - عز وجل - ووقوفهم عند أمره ونهيه . .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 164 .