تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
والتماقت ، وكلفهم من الحب ، في اللَّه والبغض في اللَّه ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كيف يشاء ، ويصنع فيها ما يريد . قيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ، ودق جماجمهم . ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى . وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس . وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه . فأنساهم اللَّه - تعالى - ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا أنصارا ، وعادوا أعوانا ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه ، وبليغ قدرته » « 1 » . هذا ، وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم » حنين « قال لهم : يا معشر الأنصار ! ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللَّه بي وعالة فأغناكم اللَّه بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم اللَّه بي ؟ فكانوا يقولون كلما قال شيئا : اللَّه ورسوله أمن » « 2 » . وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول : إن الرحم لتقطع ، وإن النعمة لتنكر ، وإن اللَّه إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء . ثم يقرأ قوله - تعالى - : * ( لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ اللَّه أَلَّفَ بَيْنَهُمْ . . . ) * « 3 » . ثم مضت السورة الكريمة في تثبيت الطمأنينة في قلب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وفي قلوب أصحابه ، فبينت لهم أن اللَّه كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء اللَّه وأعدائهم فقال - تعالى - : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 64 إلى 66 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنْكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه واللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 )
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 233 . ( 2 ) صحيح البخاري ج 5 ص 200 من « كتاب المغازي » طبعة مصطفى الحلبي سنة 1945 وصحيح مسلم ج 3 ص 108 من « كتاب الزكاة » . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 323 .