تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وفيه نظر أيضا ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة * ( وإِنْ جَنَحُوا . . . ) * وكما فعل النبي صلى اللَّه عليه وسلم يوم الحديبية . فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص . . » « 1 » . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاما في معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك في مصلحة المسلمين . ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - : « والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم . وليس يحتم أن يقاتلوا أبدا . أو يجابوا إلى الهدنة أبدا » « 2 » . ثم أمن اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم من خداع أعدائه ، إن هم أرادوا خيانته ، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - : * ( وإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّه هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِه وبِالْمُؤْمِنِينَ ) * . أي : وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم في الظاهر أن يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم ، بل صالحهم مع ذلك إذا كان في الصلح مصلحة للإسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن اللَّه كافيك بنصره ومعونته ، فهو - سبحانه - الذي أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية ، وهو - سبحانه - الذي أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم في سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته . . فالآية الكريمة تشجيع للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على السير في طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة . وقوله : * ( حَسْبَكَ ) * صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل . أي . بحسبك وكافيك . قال الفخر الرازي : فإن قيل : أليس قد قال - تعالى - وإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ . . . أي : أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية ؟ قلنا : قوله : وإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة . .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 322 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 233 .