تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ « 1 » . وبقوله وقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً « 2 » . فقد كانت هذه - أي الآية التي معنا وهي قوله - تعالى - * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ . . . ) * - قبل براءة . كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . وعن عكرمة والحسن البصري قالا : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ . . . ) * نسختها الآية التي في براءة وهي قوله - تعالى - قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ . . . الآية « 3 » . ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل . لأن قوله * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها . . ) * إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن اللَّه - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزية منهم ، وأما قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . . فإنما عنى به مشركو العرب من عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس في إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه . . « 4 » . هذا ما يراه ابن جرير . أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه في أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه اللَّه - : قوله : * ( وإِنْ جَنَحُوا ) * أي : مالوا * ( لِلسَّلْمِ ) * أي المسالمة والمصالحة والمهادنة * ( فَاجْنَحْ لَها ) * أي : فمل إليها واقبل منهم ذلك . ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر . . . وقال مجاهد : نزلت في بني قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله في موقعة بدر ، وذكرها مكتنف لها كله . وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة ، وهي قوله - تعالى - قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّه ورَسُولُه ولا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ .
هامش
( 1 ) سورة براءة « التوبة » الآية 5 . ( 2 ) سورة براءة « التوبة » الآية 36 . ( 3 ) سورة براءة « التوبة » الآية 29 . ( 4 ) تفسير ابن جرير ج 10 ص 34 .