وثانيها : أنه يجوز أن يقال : أنه - تعالى - : ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب ، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء ، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى .
وثالثها : أنه - تعالى - : علم أحوال جميع الموجودات ، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل ، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع - أيضا - تغييرها ، وإلا لزم الكذب ، فتصير كتابة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا .
تاما ، وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلى اللَّه عليه وسلم « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » « 1 » .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أمور من أهمها :
أن علم اللَّه - تعالى - : محيط بالكليات والجزئيات ، وبكل شيء في هذا الكون ، وبذلك يتبين بطلان رأى بعض الفلاسفة الذين قالوا بأن اللَّه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات .
أن علم الغيب مرده إلى اللَّه وحده ، قال الحاكم : دل قوله تعالى * ( وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * على بطلان قول الإمامية : إن الإمام يعلم شيئا من الغيب » .
وقال القاسمي : قال صاحب « فتح البيان » : في هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من مدعى الكشف والإلهام ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم . ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم سوى خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى اللَّه عليه وسلم « من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد » قال ابن مسعود « أوتى نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب » .
وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه . لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا اللَّه ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا اللَّه .
ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدرى نفس بأي أرض تموت ، ولا يدرى أحد متى يجيء المطر « « 2 » .
وقال القرطبي : قال علماؤنا : أضاف - سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 57 .
( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 2343 .