تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
والحساب يوم القيامة ، لأن النشأة الثانية - كما يقول القرطبي - منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الأخرى . هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن ظاهر الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين ، ولكن الزمخشري خالف في ذلك فجعلها خطابا للكافرين فقال : * ( وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) * الخطاب للكفرة ، أي : أنتم منسدحون الليل كله كالجيف - أي مسطحون على القفا - * ( ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ) * ما كسبتم من الآثام فيه * ( ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه ) * من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار * ( لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ) * وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم « 1 » . والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح لأنه لم يرد نص يدل على تخصيص الخطاب في الآية للكافرين . ثم قال - تعالى - : * ( وهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِه ) * أي : وهو الغالب المتصرف في شؤون خلقه يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وإثابة وعقابا إلى غير ذلك ، والمراد بالفوقية فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة . قال الإمام الرازي : وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : أنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد . والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد ، فإنه - تعالى - هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ، ومن الوجود إلى العدم تارة أخرى ، فلا وجود إلا بإيجاده ، ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضد بضده ، فيقهر النور بالظلمة ، والظلمة بالنور ، والنهار بالليل ، والليل بالنهار ، وتمام تقريره في قوله : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . وقوله * ( ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) * أي : ويرسل عليكم ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها وتسجل ما تعملونه من خير أو شر . قال : - تعالى - : وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ وقال - تعالى - : إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 32 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 58 .