تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
قوله - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) * أي : ينيمكم فيه . والتوفي أخذ الشيء وافيا ، أي تاما كاملا . والتوفي يطلق حقيقة على الإماتة ، وإطلاقه على النوم - كما هنا - مجاز لشبه النوم بالموت في انقطاع الإدراك والعمل والإحساس قال - تعالى - : اللَّه يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فهذه الآية صريحة في أن التوفي أعم من الموت ، فقد صرحت بأن الأنفس التي تتوفى في منامها غير ميتة ، فهناك وفاتان : وفاة كبرى وتكون بالموت ، ووفاة صغرى وتكون بالنوم . والمعنى : وهو - سبحانه - الذي يتوفى أنفسكم في حالة نومكم بالليل ، دون غيره لأن غيره لا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا . * ( ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ) * أي : ما كسبتم وعملتم فيه من أعمال . وأصل الجرح تمزيق جلد الحي بشيء محدد مثل السكين والسيف والظفر والناب وأطلق هنا على ما يكتسبه الإنسان بجوارحه من يد أو رجل أو لسان . وتخصيص الليل بالنوم ، والنهار بالكسب جريا على المعتاد ، لأن الغالب أن يكون النوم ليلا ، وأن يكون الكسب والعمل نهارا ، قال - تعالى - : وجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً . * ( ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ) * أي : ثم إنه بعد توفيكم بالنوم يوقظكم منه في النهار ، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى في علم اللَّه - تعالى - ، والمقدر له في هذه الدنيا ، فقد جعل - سبحانه - لأعماركم آجالا محددة لا بد من قضائها وإتمامها . وجملة * ( ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيه ) * معطوفة على * ( يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) * فتكون ثم للمهلة الحقيقية وهو الأظهر . * ( ثُمَّ إِلَيْه مَرْجِعُكُمْ ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * أي : ثم إليه وحده يكون رجوعكم بعد انقضاء حياتكم في هذه الدنيا ، فيحاسبكم على أعمالكم التي اكتسبتموها فيها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . فالآية الكريمة تسوق للناس مظهرا من مظاهر قدرة اللَّه وتبرهن لهم على صحة البعث