تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
دون العذب وأطلق على النهر بالتوسع أو التغليب ، والبر ما يقابله من الأرض وهو ما يسمى باليابسة . وهذه الجملة معطوفة على جملة ، وعنده مفاتح الغيب ، لإفادة تعميم علمه - سبحانه - بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس . وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأقل إلى الأعظم ، لأن قسم البحر من الأرض أكبر من قسم البر ، وخفاياه أكثر وأعظم ، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر . ثم صرح - سبحانه - بشمول علمه لكل كلى وجزئي ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل ، فقال - تعالى - * ( وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها . ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * . أي : وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ولا حبة في باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها إلا ويعلمه اللَّه علما تاما شاملا ، لأن كل ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهى الثابت . وجملة * ( وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ) * معطوفة على جملة ، ويعلم ما في البر والبحر ، لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة . والمراد بظلمات الأرض بطونها ، وكنّى بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك ما فيه كما لا يدرك ما في الظلمة . وقوله * ( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * تأكيد لقوله « لا يعلمها » لأن المراد بالكتاب المبين علم اللَّه - تعالى - الذي وسع كل شيء ، أو اللوح المحفوظ الذي هو محل معلوماته - عز وجل - . قال الإمام الرازي : قال الزجاج : يجوز أن اللَّه - تعالى - : أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال - تعالى - : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها . ثم قال الإمام الرازي : وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه - تعالى - : إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات ، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء ، فيكون ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 88 | سيد محمد طنطاوي