تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
قال ابن كثير : فالجواب على ذلك - واللَّه أعلم - أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم ، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم « « 1 » . ثم يمضى السياق القرآني مع المكذبين المتعجلين للعذاب ، فيسوق لهم صورة لعلم اللَّه الشامل الذي لا يند عنه شيء * ( وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * . قال القرطبي : * ( مَفاتِحُ ) * جمع مفتح ، ويقال مفتاح ويجمع مفاتيح ، وهي قراءة ابن السميقع ، والمفتح عبارة عن كل ما يخل غلقا محسوسا كان كالقفل على البيت ، أو معقولا كالنظر ، وروى ابن ماجة في سننه وأبى حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل اللَّه مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل اللَّه مفاتيح الشر على يديه » ، وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتح إلى الغيب عن الإنسان . ولذلك قال بعضهم هو مأخوذ من قول الناس افتح على كذا ، أي : أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به فاللَّه - تعالى - عنده علم الغيب ، وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو ، فمن شاء اطلاعه عليها أطلعه ، ومن شاء حجبه عنها حجبه « « 2 » . والغيب : ما غاب عن علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى معرفته ، وهو يشمل الأعيان المغيبة كالملائكة والجن ، ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت الأشياء وغير ذلك . وقدم الظرف لإفادة الاختصاص ، أي : عنده لا عند غيره مفاتيح الغيب ، وجملة « لا يعلمها إلا هو » في موضع الحال من مفاتح ، وهي مؤكدة لمضمون ما قبلها . ومعنى * ( لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) * أي : لا يعلم الغيوب علما تاما مستقلا إلا هو - سبحانه - فأما ما أطلع عليه بعض أصفيائه من الغيوب فهو إخبار منه لهم ، فكان في الأصل راجعا إلى علمه هو . قال - تعالى - عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . ثم بين - سبحانه - أن علمه ليس مقصورا على المغيبات ، وإنما هو يشملها كما يشمل المشاهدات فقال : * ( ويَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ) * . قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير ، وقيل إن أصله الماء الملح
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 126 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 1 طبعة دار الكتاب العربي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 87 | سيد محمد طنطاوي