تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
* ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ) * . قال القرطبي : « القرن الأمة من الناس والجمع القرون . قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب
فالقرن كل عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران ، أي عالم مقترن بعضهم إلى بعض ، وفي الحديث الشريف : « خير الناس قرني - يعنى أصحابي - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما ، وقيل : سبعون ، وقيل ، ثمانون ، وقيل مائة - وعليه أكثر أصحاب الحديث - أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لعبد اللَّه ابن بشر : « تعيش قرنا » فعاش مائة « 1 » . والاستفهام الذي صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار وتبكيتهم ، وإنكار ما وقع منهم من إعراض واستهزاء ، وهو داخل على فعل محذوف دل عليه سابق الكلام ولاحقه . والتقدير : أعملوا عن الحق وأعرضوا عن دلائله ، ولم يروا بتدبر وتفكر كم أهلكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا . وجملة * ( أَهْلَكْنا ) * سدت مسد مفعول رأى إن كانت بصرية ، وسدت مسد مفعوليها إن كانت علمية ، و * ( كَمْ ) * مفعول مقدم لأهلكنا ، و * ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) * على حذف المضاف ، أي : من قبل زمنهم ووجودهم . قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن يقال : مكناهم في الأرض - أي القرون - ما لم نمكنهم ، أي الكفار المحكي عنهم المستفهم عن حالهم ، فعدل عن ذلك بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لما في إيراد الفعلين بضميري الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما ، وكون المثبت عين المنفي ، فقيل ما لم نمكن لكم « 2 » . و * ( ما ) * في قوله * ( ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ) * يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وهي حينئذ صفة لمصدر محذوف . والتقدير : مكناهم في الأرض التمكين الذي لم نمكن لكم ، والعائد محذوف : أي الذي لم نمكنه لكم . ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف . أي : مكناهم في الأرض شيئا لم نمكنه لكم « 3 » . وفي تعدية الأول وهو * ( مَكَّنَّاهُمْ ) * بنفسه والثاني وهو * ( نُمَكِّنْ لَكُمْ ) * باللام إشارة إلى أن
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 390 . ( 2 ) تفسير المنار ج 7 ص 307 للشيخ رشيد رضا . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 7 بتصرف وتلخيص .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 38 | سيد محمد طنطاوي