تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
في هذا الكون فقال تعالى - : * ( وهُوَ اللَّه فِي السَّماواتِ وفِي الأَرْضِ ، يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ) * . أي : أنه - سبحانه - هو المعبود بحق في السماوات والأرض ، العليم بكل شيء في هذا الوجود ، الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شر فيجازيه عليه بما يستحقه . والضمير « هو » الذي صدرت به الآية يعود إلى اللَّه - تعالى - الذي نعت ذاته في الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق ، وخالق السماوات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، ومنشئ الإنسان من طين ، وأنه لذلك يكون مختصا بالعبادة والخضوع . وقوله - تعالى - : * ( وهُوَ اللَّه ) * جملة من مبتدأ وخبر ، معطوفة على ما قبلها ، سيقت لبيان شمول ألوهيته لجميع المخلوقات . قال أبو السعود : وقوله * ( فِي السَّماواتِ وفِي الأَرْضِ ) * متعلق بالمعنى الوصفي الذي ينبئ عنه الاسم الجليل إما باعتبار أصل اشتقاقه وكونه علما للمعبود بالحق ، كأنه قيل : وهو المعبود فيهما . وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت به الذات من صفات الكمال ، فلو حظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة ، فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قيل : وهو المالك أو المتصرف المدبر فيهما ، كما في قوله - تعالى - : وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِله وفِي الأَرْضِ إِله « 1 » . وجملة * ( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ) * تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذي استوى في علمه السر والعلن هو اللَّه وحده . ويجوز أن تكون كلاما مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم ، أو خبرا ثانيا . ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لانطماس بصائرهم وإصرارهم على العناد - غدوا لا يجدي معهم دليل ولا تنفع معهم حجة ، وساق لهم أخبار من سبقوهم . فقال - تعالى - : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وجَعَلْنَا الأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 )
هامش
( 1 ) تفسير أبو السعود ج 2 ص 80 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 35 | سيد محمد طنطاوي