تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وقد بين الفخر الرازي مراحل تماديهم في الباطل كما صورها القرآن فقال « اعلم أنه - تعالى - رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب : فالمرتبة الأولى : كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر والبينات . والمرتبة الثانية : كونهم مكذبين بها ، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به ، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له ، فإذا صار مكذبا به فقد زاد على الإعراض . والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها ، لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار ، فبين - سبحانه - أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب « « 1 » . والمراد بالحق الذي كذبوا به : قيل إنه القرآن ، وقيل إنه المعجزات ، وقيل إنه الشرع الذي أتى به محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وقيل : إنه الوعد الذي يرغبهم به تارة ، والوعيد الذي يحذرهم بسببه تارة أخرى . والذي نراه أن تكذيبهم قد شمل كل ذلك ، لأنهم بعدم دخولهم في الإسلام قد صاروا مكذبين باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . والتعبير بقوله * ( لَمَّا جاءَهُمْ ) * يفيد أن الحق قد وصل إليهم ، وطرق قلوبهم وأسماعهم ، ولكنهم عموا وصموا عنه . والأنباء : جمع نبأ وهو ما يعظم وقعه من الأخبار ، والمراد بها في قوله - تعالى - : * ( فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * الإخبار عن العذاب الذي توعدهم اللَّه به عند إصرارهم على كفرهم ، ونظيره قوله - تعالى - : ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَه بَعْدَ حِينٍ . قال صاحب الكشاف : * ( فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ) * الشيء الذي * ( كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * وهو القرآن ، أي أخباره وأحواله ، بمعنى : سيعلمون بأي شيء استهزؤا ، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء ، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو في يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته « 2 » . ثم ساق القرآن لهم على سبيل النصيحة والإرشاد أخبار من سبقوهم في الكفر والبطر وبين لهم سوء عاقبتهم ليعتبروا ويتعظوا فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير مفاتيح الغيب ج 4 ص 11 للفخر الرازي ، المطبعة الشرفية سنة 1324 ه . ( 2 ) الكشاف ج 2 ص 6 للزمخشري طبعة دار الكتاب العربي بيروت .