تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
قوله - تعالى - : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ لبيان مظاهر قدرته ورحمته . وقرأ حمزة والكسائي « الريح » بالإفراد : و * ( بُشْراً ) * - بضم الباء فسكون الشين - مخفف و * ( بُشْراً ) * - بضمتين - جمع بشير كنذر ونذير ، أي : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق . وقرأ أهل المدينة والبصرة « نشرا » - بضم النون والشين - جمع نشور - كصبور وصبر - بمعنى ناشر من النشر ضد الطي ، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه . وهناك قراءات أخرى غير ذلك . والمعنى وهو - سبحانه - الذي يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نزول الغيث الذي به حياة الناس . وقوله : * ( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ) * أي بين يدي المطر الذي هو من أبرز مظاهر رحمة اللَّه بعباده . قال تعالى : وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَه وهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ . وقال تعالى : ومِنْ آياتِه أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ . قال الإمام الرازي : وقوله : * ( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ) * من أحسن أنواع المجاز ، والسبب في ذلك أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز . يقال : إن الفتن تحصل بين يدي الساعة يريدون قبيلها ، كذلك مما حسن هذا المجاز أن يدي الإنسان متقدمة ، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة ، فلما كانت الرياح تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ « « 1 » . وقوله : * ( حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناه لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ) * حتى : غاية لقوله : * ( يُرْسِلُ ) * . وأقلت : أي حملت . وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى حمله . لأن الحامل لشيء يستقل ما يحمله بزعم أن ما يحمله قليل . و * ( سَحاباً ) * أي : غيما ، سمى بذلك لانسحابه في الهواء ، وهو اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع . و * ( ثِقالًا ) * جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة . يقال : ثقل الشيء - ككرم - ثقلا وثقالة فهو ثقيل وهي ثقيلة . والمعنى : أن اللَّه - تعالى - هو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث ، حتى إذا حملت
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 242 طبعة المطبعة الشرقية سنة 1324 ه .