تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الآية * ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً ) * وإن بحسبك أن تقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل « 1 » » . ثم نهى اللَّه عباده عن كل لون من ألوان المعاصي فقال : * ( ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) * أي : لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح اللَّه إياها ، بأن خلقها على أحسن نظام ، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع الإفساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان . روى أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش أنه سئل عن قوله - تعالى - : * ( ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) * فقال : إن اللَّه بعث محمدا صلى اللَّه عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم اللَّه به ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض » . قال صاحب المنار : وقال - سبحانه - : * ( ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) * لأن الإفساد بعد الإصلاح أشد قبحا من الإفساد على الإفساد ، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على سننه . فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه ؟ ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهى عنه في كل حال « « 2 » . وقوله : * ( وادْعُوه خَوْفاً وطَمَعاً ) * . أصل الخوف : انزعاج في الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل . والمعنى : وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره ، طامعين في رحمته وإحسانه وفي إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما . قال الجمل : فإن قلت : قال في أول الآية : * ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً ) * وقال هنا : * ( وادْعُوه خَوْفاً وطَمَعاً ) * وهذا عطف للشيء على نفسه فما فائدة ذلك ؟ قلت : الفائدة أن المراد بقوله - تعالى - : * ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً ) * بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله : * ( وادْعُوه خَوْفاً وطَمَعاً ) * بيان شرطين آخرين ، والمعنى : كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق اللَّه في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما « « 3 » . وقوله : * ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّه قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) * أي : إن رحمته - تعالى - وإنعامه على عباده قريب من المتقين لأعمالهم ، المخلصين فيها ، لأن الجزاء من جنس العمل ، فمن أحسن عبادته
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر باب الدعاء حديث رقم 1480 طبعة محمد فؤاد عبد الباقي . ( 2 ) تفسير المنار ج 8 ص 461 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 151 .