تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
اربعوا على أنفسكم - أي ارفقوا بها - وأقصروا من الصياح - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا . إنه معكم . إنه سميع قريب . تبارك اسمه وتعالى جده « « 1 » . وقال عبد اللَّه بن المبارك عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ، لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس . وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور - أي الزوار - وما يشعرون به . ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا . ولقد كان المسلمون يجهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم . وذلك أن اللَّه - تعالى - يقول : * ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً ) * وذلك أن اللَّه ذكر عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَه زَكَرِيَّا . إِذْ نادى رَبَّه نِداءً خَفِيًّا « 2 » . وقال ابن المنير : « وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية ، فالاخلال بالضراعة إلى اللَّه إخلال بالدعاء . وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى . فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه . وترى كثيرا من أهل زمانك يعمدون إلى الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللفظ ويشتد ، وتستك المسامع وتنسد ، ويهتز الداعي بالناس ، ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين : رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد ، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت ، ورعاية سمت الوقار ، وسلوك السنة الثابتة بالآثار . وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد ، لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة في الدعاء . وفي خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول كثير من الخلق . اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه » « 3 » . وقوله : * ( إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) * الاعتداء تجاوز الحد أي : لا يحب المتجاوزين حدودهم في كل شيء ، ويدخل فيه الاعتداء في الدعاء دخولا أوليا . ومن مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يترك هذين الأمرين وهما التضرع والإخفاء ، كذلك من مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يتكلف فيه . روى أبو داود في سننه أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها . فقال له يا بنى : إني سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ثم قرأ سعد هذه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب الجهاد . باب ما يكره من رفع الصوت : وأخرجه مسلم في كتاب « الذكر والدعاء » . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 173 . ( 3 ) الانتصاف على الكشاف لابن المنير ج 2 ص 110 من تفسير الكشاف .