كتاب اللَّه فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت . والكافر بخلاف ذلك . وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر . وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد « « 2 » .
وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان عن أبي موسى قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم :
« مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به » « 1 » .
وقوله : * ( كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) * أصل التصريف : تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح . والآيات : الدلائل الدالة على قدرة اللَّه .
أي : مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الآيات الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة لقوم يشكرون نعمنا ، باستعمالها فيما خلقت له ، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها .
وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد ، بينما عبر في الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار والاستدلال على قدرة اللَّه - تعالى - في إحياء الموتى .
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - عن عظمة القرآن الكريم وعن وجوب اتباعه ، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات ، وعما أحله اللَّه وحرمه ، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات ، وعن العاقبة الطيبة التي أعدها اللَّه للصالحين من عباده ، وعن المحاورات التي تدور بينهم وبين أهل النار ، ثم عن مظاهر قدرة اللَّه ، وأدلة وحدانيته .
وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية ، والقرى المهلكة التي جاء ذكرها في مطلعها .
وكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ .
فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم
هامش
( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 122 .
( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل .