تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
أي : فمن أصابته ضرورة قاهرة ألجأته إلى الأكل من هذه الأشياء المحرمة حالة كونه غير باغ في أكله ، أي غير طالب للمحرم وهو يجد غيره . أو غير طالب له للذته ، أو على جهة الاستئثار به على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيها عن الآخر . أو حالة كونه - أيضا - غير عاد فيما يأكل ، أي : غير متجاوز سد الجوعة فلا إثم عليه في هذه الأحوال . وباغ : مأخوذ من البغاء وهو الطلب تقول : بغيته بغاء وبغى بغية وبغية أي : طلبته . وعاد : اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول : فلان عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره فهو عاد ، ومنه قوله - تعالى - بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ . وقوله * ( فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * أي : فإن ربك واسع المغفرة والرحمة لا يؤاخذ المضطرين ، ولا يكلف الناس بما فوق طاقتهم ، وإنما هو رؤوف رحيم بهم يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر . والجملة الكريمة جواب الشرط باعتبار لازم المعنى وهو عدم المؤاخذة . وقيل جواب الشرط محذوف : أي فمن اضطر ، فلا مؤاخذة عليه وهذه الجملة تعليل له . هذا ، والآية الكريمة ليس المقصود منها حصر المحرمات في هذه الأربعة وإنما المقصود منها الرد على مزاعم المشركين فيما حرموه بغير علم من البحائر والسوائب وغيرها . قال ابن كثير : الغرض من سياق هذه الآية الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك . فأمر - تعالى - رسوله أنه لا يجد فيما أوحاه اللَّه إليه أن ذلك محرم ، وأن الذي حرمه هو الميتة وما ذكر معها وما عدا ذلك فلم يحرم ، وإنما هو عفو مسكوت عنه . فكيف تزعمون أنه حرام ؟ ! ومن أين حرمتموه ولم يحرمه اللَّه - تعالى - ؟ ! وعلى هذا فلا ينفى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا . كما جاء النهى عن الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير « « 1 » . وقال القرطبي : والآية مكية ، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وغير ذلك ، وحرم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال : الأول : ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية وكل محرم حرمه رسول اللَّه أو جاء في الكتاب
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 184 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 202 | سيد محمد طنطاوي