تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وقوله ، * ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى ، أي : افترى عليه - تعالى - جاهلا بصدور التحريم . وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفترى عالم بعدم الصدور ، إيذانا بخروجه في الظلم عن الحدود والنهايات ، لأنه إذا كان المفترى بغير علم يعد ظالما فكيف بمن يفترى الكذب وهو عالم بذلك . ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * أي لا يهديهم إلى طريق الحق بسبب ظلمهم ، وإيثارهم طريق الغي على طريق الرشد . هذا ، والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين يراهما قد ردتا على المشركين بأسلوب له - مع سهولته وتأثيره - الطابع المنطقي الذي يزيد المؤمنين إيمانا بصحة هذا الدين ، وصدق هذا القرآن ، ويقطع على المعارضين والملحدين كل حجة وطريق . وتقرير ذلك - كما قال بعض العلماء - أن تطبق قاعدة ( السير والتقسيم ) فيقال ، إن اللَّه - تعالى - خلق من كل صنف من المذكورات نوعين : ذكرا وأنثى ، وأنتم أيها المشركون حرمتم بعض هذه الأنعام ، فلا يخلو الأمر في هذا التحريم من : 1 - أن يكون تحريما معللا بعلة . 2 - أو أن يكون تحريما تعبديا ملقى من اللَّه - تعالى - . ولا جائز أن يكون تحريما معللا ، لأن العلة إن كانت هي ( الذكورة ) فأنتم أبحتم بعض الذكور وحرمتم بعضا ، فلم تجعلوا الأمر في الذكورة مطردا وإن كانت العلة هي ( الأنوثة ) فكذلك الأمر : حيث حرمتم بعض الإناث وحللتم بعضا ، فلم تطرد العلة ، ومثل هذا يقال إذا جعلت العلة هي اشتمال الرحم من الأنثى على النوعين ، لأنها حينئذ تقتضي أن يكون الكل حراما فلما ذا أحلوا بعضه . وهذا كله يؤخذ من قوله - تعالى - * ( قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْه أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ ) * . فبطل إذن أن يكون التحريم معللا . ولا جائز أن يكون التحريم تعبديا لا يدرى له علة ، أي : مأخوذ عن اللَّه ، لأن الأخذ عن اللَّه إما بشهادة توصيته بذلك وسماع حكمه به ، وقد أنكر هذا عليهم بقوله : * ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّه بِهذا ) * وإما أن يكون برسول أبلغهم ذلك ، وهم لم يأتهم رسول بذلك ، وفي هذا يقول - جل شأنه متحديا لهم * ( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * .