تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الأول : أن قوله - تعالى - * ( وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ) * كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة . لتقدم المعمول على عامله . الثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله * ( وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ) * فائدة « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما حرم عليهم من غير ذوى الظفر فقال - تعالى - : * ( ومِنَ الْبَقَرِ والْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ، أَوِ الْحَوايا ، أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ) * . والشحم : هو المادة الدهنية التي تكون في الحيوان وبها يكون لحمه سمينا والعرب تسمى سنام البعير ، وبياض البطن شحما ، وغلب إطلاق الشحم على ما يكون فوق أمعاء الحيوان . والحوايا : - كما قال ابن جرير - جمع حاوياء وحاوية ، وحوية وهي ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار ، وفسرت بالمباعر ، والمرابض التي هي مجتمع الأمعاء في البطن « 2 » . والمعنى : كما حرمنا على اليهود كل ذي ظفر ، فقد حرمنا عليهم كذلك من البقر والغنم شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة ، إلا ما استثنيناه من هذه الشحوم وهو ما حملت ظهورهما أو ما حملت حواياهما ، أو اختلط من هذه الشحوم بعظمهما . فقد أحللناه لهم . ثم بين - سبحانه - أن هذا التحريم كان نتيجة لطغيانهم فقال تعالى : * ( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وإِنَّا لَصادِقُونَ ) * أي . هذا الذي حرمناه على الذين هادوا من الأنعام والطير ومن البقر والغنم ، وهذا التضييق الذي حكمنا به عليهم ، إنما ألزمناهم به ، بسبب بغيهم وظلمهم ، وتعديهم حدود اللَّه تعالى . قال قتادة : إنما حرم اللَّه عليهم ما ليس بخبيث عقوبة لهم وتشديدا عليهم . ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود ، من الأنباء التي لم يكن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقومه يعلمون عنها شيئا لأميتهم ، وكان تكذيب اليهود له بأن اللَّه لم يحرم ذلك عليهم عقوبة لهم ، لما كان الأمر كذلك ، أكد اللَّه هذا النبأ بقوله : * ( وإِنَّا لَصادِقُونَ ) * . أي : وإنا لصادقون - يا محمد - فيما أخبرناك به ، ومن بينه ما أعلمناك عنه مما حرمناه على اليهود من الطيبات وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه ، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه . ومع أن الشحوم جميعا باستثناء ما أحله لهم منها محرمة عليهم ، فإنهم تحايلوا على شرع اللَّه ،
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 16 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 8 ص 75 .