تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
ومثلهم في الإنجيل ، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام ، وذب المطاعن عنه ، من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدها من بعدهم . وخرقا يرفوه من يلحق بهم وقيل : هو عطف على * ( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) * أي : يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء . وفي مصحف عبد اللَّه : والمقيمون بالواو . وهي قراءة مالك بن دينار ، والجحدري ، وعيسى الثقفي « 1 » . وقوله : * ( والْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والْمُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * معطوف على * ( الرَّاسِخُونَ ) * أو على الضمير المرفوع في * ( يُؤْمِنُونَ ) * . أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله . * ( أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) * . والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم . فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ في العلم ، ثم وصفهم - ثانيا - بالإيمان الكامل بما أوحاه اللَّه على أنبيائه من كتب وهدايات ، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ثم وصفهم - رابعا - بإيتاء الزكاة لمستحقيها ، ثم وصفهم - خامسا - بالإيمان باللَّه إيمانا حقا ، وبالإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب . وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال : * ( أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) * . أي : أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب ، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل الصالح . هذا . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات التي تحدثت عن أحوال اليهود ، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم . . . فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع اللَّه ، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا للَّه وحده ، وعصيانهم لأوامر اللَّه ونواهيه ، ونقضهم للعهود والمواثيق ، وكفرهم بآيات اللَّه ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف ، وبهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه . . . إلى غير ذلك من الرذائل التي سجلها اللَّه عليهم . ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة اللَّه بهم ، وعفوه عنهم ، ونعمه عليهم ، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا ، ببعض العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 590