تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم اللَّه على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة ، فاشكروه على نعمه ، وتوبوا إليه من ذنوبكم ، فإن الإصرار على المعاصي يؤدى إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة . ثم تراها - ثالثا - تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان ، وتصريح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم ، وأنهم في أقوالهم ما يتبعون إلا الظن ، وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ثم تسوق الحقيقة التي لا باطل معها في شأن عيسى ، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وسيؤمنون به عند نزوله في آخر الزمان ، أو عندما يكونون في اللحظات الأخيرة من حياتهم ، حين لا ينفع الإيمان . ثم تراها - رابعا - لا تعمم في أحكامها ، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهي بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر اللَّه ، وتتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة . بعد كل ذلك تمدح الراسخين في العلم منهم مدحا عظيما ، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما ، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذي يشرح صدورهم ، ويطمئن قلوبهم . ذلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ ، واللَّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات « لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد » . وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم . ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم في دعوته ، وأنه ليس بدعا من الرسل ، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم ، وأرفعهم منزلة عند اللَّه - تعالى - فقال - سبحانه - : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 163 إلى 166 ] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه وأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْباطِ وعِيسى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّه مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّه عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) لكِنِ اللَّه يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَه بِعِلْمِه والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّه شَهِيداً ( 166 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 389 | سيد محمد طنطاوي