تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
قال ابن كثير : يخبر - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود ، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم . وقرأ ابن عباس : طيبات كانت أحلت لهم . وهذا التحريم قد يكون قدريا . بمعنى أن اللَّه قيضهم لأن يتأولوا في كتابهم ، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا ، تنطعا . ويحتمل أن يكون شرعيا . بمعنى أنه - تعالى - حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك . كما قال - تعالى - كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِه مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ « 1 » . وقوله : * ( وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه كَثِيراً ) * معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذي تعاطوه . من عطف الخاص على العام ، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم . والصد والصدود : المنع . أي : وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التي شرعها اللَّه لعباده وصدهم غيرهم عنها صدا كثيرا ، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا . وقوله * ( كَثِيراً ) * صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو * ( بِصَدِّهِمْ ) * أي : وبصدهم عن سبيل اللَّه جمعا كثيرا من الناس . أو صفة لمصدر محذوف ، أي : وبصدهم عن سبيل اللَّه صدا كثيرا . وقوله : * ( وأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وقَدْ نُهُوا عَنْه وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) * بيان للون آخر من رذائلهم وقبائحهم . أي : ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم ، أخذهم الربا مع نهيهم عنه على ألسنة رسلنا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، أي . على طريق الرشوة ، والخيانة ، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة . وما حملهم على هذا الولوغ في المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم وبيعهم الدين بالدنيا . وقوله . * ( وقَدْ نُهُوا عَنْه ) * جملة حالية في محل نصب . قال الآلوسي . وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا لأي النهى يدل على حرمة المنهي عنه ، وإلا لما توعد - سبحانه - على مخالفته . تلك هي بعض العقوبات التي عاقبهم اللَّه بها في الدنيا . أما عقوبة هؤلاء اليهود في الآخرة فقد بينها - سبحانه - في قوله . * ( وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * . أي . وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا موجعا أليما ، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر اللَّه . وقوله * ( لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ ) * احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم ،
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 485
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 386 | سيد محمد طنطاوي