والذي نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين . فإن كلا منهما حق في ذاته .
فكل كتابي عندما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا في نبوته ، وأنه عبد اللَّه ، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة اللَّه وحده . وكذلك كل كتابي يشهد نزول عيسى في آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه .
ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائم اليهود ، وحكى بعض العقوبات التي حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى * ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه كَثِيراً ، وأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وقَدْ نُهُوا عَنْه وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * .
والفاء في قوله * ( فَبِظُلْمٍ ) * للتفريع على جرائمهم السابقة ، والباء للسببية ، والتنكير للتهويل والتعظيم . والجار والمجرور متعلق بحرمنا . وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم .
والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، ولو أنهم لم يقعوا في هذا الظلم الشديد لما حرم اللَّه عليهم هذه الطيبات التي هم في حاجة إليها .
والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التي نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم ، ومن ضروب هذا الظلم والبغي ما سجله اللَّه عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق ، ومن كفر بآيات اللَّه .
وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من صد عن سبيل اللَّه ، ومن أخذ للربا وقد نهاهم اللَّه عن أخذه .
وهذه الطيبات التي حرمها اللَّه عليهم منها ما حكاه - سبحانه - في سورة الأنعام بقوله :
وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، ومِنَ الْبَقَرِ والْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وإِنَّا لَصادِقُونَ .
والتعبير عنهم بقوله : * ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) * إيذان بشناعة ظلمهم ، حيث إنهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل . وقولهم : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي : تبنا ورجعنا إليك يا ربنا .
وقوله * ( أُحِلَّتْ لَهُمْ ) * هذه الجملة صفة للطيبات فهي في محل نصب .
والمراد من وصفها بذلك . بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ارتكبوا من موبقات .
أي : حرمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم ، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 385
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٨٥