تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
لولادتها لعيسى من غير أب . وقد برأها اللَّه - تعالى - مما نسبوه إليها . في قوله - تعالى - ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ، فَنَفَخْنا فِيه مِنْ رُوحِنا ، وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِه وكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ « 1 » . وقوله : * ( بُهْتاناً ) * منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - * ( وقَوْلِهِمْ ) * ، فإنه متضمن معنى كلام نحو : قلت خطبة وشعرا . ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، أي : وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا . أو هو مصدر في موضع الحال أي : مباهتين . ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية في الكذب والافتراء . ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويفضحهم على رؤس الأشهاد في كل زمان ومكان فقال : * ( وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه ، وما قَتَلُوه وما صَلَبُوه ولكِنْ شُبِّه لَهُمْ ) * والمسيح : لقب تشريف وتكريم لعيسى - عليه السلام - قيل : لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ذميم . وقيل : لأنه مسح بالبركة كما في قوله - تعالى - : وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل لأن اللَّه مسح عنه الذنوب . أي : وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه ، لعنهم اللَّه وغضب عليهم ، كما لعنهم وغضب عليهم - أيضا - بسبب جرائمهم السابقة . وهذا القول الذي صدر عنهم هو في ذاته جريمة لأنهم قالوه على سبيل التبجح والتفاخر لقتلهم - في زعمهم - نبيا من أنبياء اللَّه ، ورسولا من أولى العزم من الرسل . وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع ، إلا أنه يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا ، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة ، فدسوا عليه عند الرومان ، ووصفوه بالدجل والشعوذة ، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ليصلبوه ، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم ، ولكن اللَّه - تعالى - خيب سعيهم ، وأبطل مكرهم ، وحال بينهم وبين ما يشتهون ، حيث نجى عيسى - عليه السلام - من شرورهم ، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم . ولا شك أن ما صدر عن اليهود في حق عيسى - عليه السلام - من محاولة قتله ، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم ، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه ، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم لأنه من المقرر في الشرائع والقوانين أن من شرع في ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها ، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته ، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد .
هامش
( 1 ) سورة التحريم الآية 12