تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة » « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد لعن بني إسرائيل كما جاء في قوله - تعالى - فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ومسخهم قردة وخنازير كما جاء في قوله - تعالى - فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْه قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ وكما في قوله - تعالى - قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّه ، مَنْ لَعَنَه اللَّه وغَضِبَ عَلَيْه وجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والْخَنازِيرَ وعَبَدَ الطَّاغُوتَ . وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم الآيات القرآنية والتي من أجمعها هذه الآيات التي معنا . فالآيات التي معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق ، ثم تسجل عليهم - ثانيا - كفرهم بآيات اللَّه . وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذي أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض ، للاشعار بأن النقض في ذاته إثم عظيم والكفر في ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التفات إلى أن له سببا أوليس له سبب . وسجل عليهم - ثالثا - قتلهم الأنبياء بغير حق . فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل اللَّه - تعالى - ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها ، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق ، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر ، ولا للخير أن يسود ، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض . وقوله : * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * ليس قيدا لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبدا ، وإنما المراد من قوله : * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي . لأنهم قد قتلوا أنبياء اللَّه بدون أي مسوغ يسوغ ذلك ، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا ، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم . . . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله ، فإن قلت : وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره ؟ قلت . معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ولا عند غيرهم - ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا . وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم . فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 97 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 416
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 375 | سيد محمد طنطاوي