ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم * ( قُلُوبُنا غُلْفٌ ) * .
وقوله : * ( غُلْفٌ ) * جمع أغلف - كحمر جمع أحمر - والشيء الأغلف هو الذي جعل عليه شيء يمنع وصول شيء آخر إليه .
والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها اللَّه مغطاة بأغطية غليظة ، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد ، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه ، فهم بهذا الكلام الذي حكاه القرآن عنهم ، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم ، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها اللَّه بهذه الطريقة التي حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم .
وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين : وقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه ، وفِي آذانِنا وَقْرٌ ، ومِنْ بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ « 1 » .
وقيل : إن قوله : غلف : جمع غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون المعنى : أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أي أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب ، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه ، لأننا عندنا ما يكفينا .
والذي يبدو لنا أن التأويل الأول أولى ، لأنه أقرب إلى سياق الآية ، فقد رد اللَّه عليهم بقوله : * ( بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . والطبع معناه . إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر .
والمعنى : أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم عن مسؤولية الكفر ليس صحيحا . لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن اللَّه - تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة . فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم . فاللَّه - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند اللَّه - تعالى - .
فقوله * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * نعت لمصدر محذوف أي إلا إيمانا قليلا . كإيمانهم بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند اللَّه ، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر
هامش
( 1 ) سورة فصلت . الآية 5