ببعضهم ، يعتبره الإسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا في قوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّه ورُسُلِه ، ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّه ورُسُلِه ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا .
ومنهم من جعل قوله * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * صفة لزمان محذوف أي : فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا .
ومنهم من جعل الاستثناء في قوله * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله * ( فَلا يُؤْمِنُونَ ) * أي : فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد اللَّه بن سلام وأشباهه . والجملة الكريمة وهي قوله : * ( طَبَعَ اللَّه عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ) * معترضة بين الجمل المتعاطفة . وقد جيء بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة ، وأقاويلهم الباطلة .
ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريمتين شنيعتين فقال : * ( وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ) * .
والمراد بالكفر هنا : كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك في قوله : * ( طَبَعَ اللَّه عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ) * لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذي لا يجعل الشخص يستقر على شيء ، فهو إنكار مطلق للحق .
وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسي بقوله : وقوله : * ( وبِكُفْرِهِمْ ) * عطف على * ( بِكُفْرِهِمْ ) * الذي قبله - وهو قوله - تعالى - * ( بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ) * - ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف : الكفر بعيسى . والمراد بالكفر المعطوف عليه : إما الكفر المطلق . أو الكفر بمحمد - صلى اللَّه عليه وسلم - لاقترانه بقوله - تعالى - * ( قُلُوبُنا غُلْفٌ ) * . وقد حكى اللَّه عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - في مواضع . ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكافرين للسببية ويجوز أن يكون قوله :
* ( وبِكُفْرِهِمْ ) * معطوف على قوله * ( فَبِما نَقْضِهِمْ ) * « 1 » .
والبهتان : هو الكذب الشديد الذي لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة . يقال : بهت فلان فلانا ، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته في الكذب والافتراء .
والمعنى : إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم ، كفرهم بعيسى - عليه السلام - ، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم . وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى ، ورميهم لها بما هي بريئة منه ، وغافلة عنه ، فقد اتهموها بالفاحشة
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 9