تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
وقوله : * ( إِنْ شَكَرْتُمْ ) * جوابه محذوف دل عليه ما تقدم . أي : إن شكرتم وآمنتم فما الذي يفعله بعذابكم ؟ وقدم الشكر على الإيمان ، لأن الشكر سبب في الإيمان ، إذ الإنسان عندما يرى نعم اللَّه ، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها ، يسوقه ذلك إلى الإيمان الحق ، فالشكر يؤدى إلى الإيمان والإيمان متى رسخ واستقر في القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها . فعطف الإيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب . وقوله : * ( وكانَ اللَّه شاكِراً عَلِيماً ) * تذييل قصد به تأكيد ما سبق من اللَّه - سبحانه - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين . أي : وكان اللَّه شاكرا لعباده على طاعتهم . أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم ، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه . فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه . وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكرا منه ، للتنويه بشأن الطاعة ، وللتشريف للمطيع ، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم . فمن لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه ، ورحم اللَّه الإمام ابن القيم حيث يقول :
وهو الشكور . فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان
ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه بضائع إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله ، أو نعموا فبفضله ، والحمد للرحمن
وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التي بدأت بقوله - تعالى - : * ( بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ ) * قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين في المجتمع الإسلامي ، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة ، وأخلاقهم القبيحة ، ومسالكهم الخبيثة ، وهممهم الساقطة ، ومصيرهم الأليم . وذلك لكي يحذرهم المؤمنون ، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم . ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا باللَّه وأخلصوا دينهم للَّه بالأجر العظيم . وأخيرا تجيء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة . أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذي توعد اللَّه به المنافقين ، وبعد ذكر الأجر العظيم الذي وعد اللَّه به المؤمنين . أخيرا بعد كل ذلك تجيء الآية الكريمة التي تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من اللَّه لعباده الشاكرين المؤمنين ، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد ، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين