معناه : النطق به في إعلان ، ونشره بين الناس ، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإخفاء .
والقول السوء : هو الذي يسوء من يقال فيه ويؤذيه في شرفه ، أو عرضه أو غير ذلك مما يلحق به شرا .
والمعنى : لا يحب اللَّه - تعالى - لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة ، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول في الحدود التي تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك ، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه في حقه من مآثم . وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السيئ في المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان .
قال القرطبي ما ملخصه : والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - إن كان مؤمنا ، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا ، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي صلى اللَّه عليه وسلم حيث قال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف » .
وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعي جهرا ، ولم يكن لهذا المجاهر عرض محترم ، ولا بدن محترم ولا مال محترم . وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه - أي على السارق - فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لا تسبخى عنه » أي : لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه . وروى أبو داود - أيضا - عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول صلى اللَّه عليه وسلم قال :
« لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته » أي : المماطلة من القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء « 1 » .
وقول السوء بدون مقتض يبغضه اللَّه سواء أكان هذا القول سرا أم جهرا إلا أنه - سبحانه - خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا ، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين الناس ، وأشد تأثيرا في إشاعة الجرائم في المجتمع ، فإن كثرة سماع الناس للكلام السيئ . وللقول الماجن ، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه ، وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء ، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية ، والأقوال السيئة .
وأنت تقرأ القرآن فتراه في عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة . ومن ذلك قوله - تعالى - : وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 3 .
( 2 ) سورة الأسراء الآية 53 .