ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب . ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم . فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه « .
وإننا لهذا نقول : إن النفاق في داخل الإسلام مراتب . وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام ، وينحدرون إلى درجة وضعهم في مقام النبيين . ومنهم من يذهب به فرط نفاقه ، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين ، وهؤلاء نتردد في الحكم بأنهم مسلمون . وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة في التأويل . ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام « 1 » .
ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم ، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وأَصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّه ، وأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه ، فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ) * .
أي : هذا الجزاء الذي بيناه هو جزاء المنافقين . لكن الذين تابوا منهم عن النفاق ، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم * ( واعْتَصَمُوا بِاللَّه ) * أي تمسكوا بكتابه ، وتركوا موالاة الكافرين * ( وأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّه ) * بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته ، * ( فَأُولئِكَ ) * الذين فعلوا ذلك * ( مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) * الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق . أي : معهم في فضيلة الإيمان الصادق ، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل . وثواب عظيم . « وسوف يؤت اللَّه المؤمنين أجرا عظيما » لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه .
فقوله : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) * استثناء من المنافقين في قوله * ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) * .
قال الفخر الرازي ما ملخصه : اشترط - سبحانه - في إزالة العقاب عن المنافقين أمورا أربعة :
أولها : التوبة .
وثانيها : إصلاح العمل . فالتوبة عبارة عن ترك القبيح ، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن .
وثالثها : الاعتصام باللَّه . وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة اللَّه .
هامش
( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة 17 العدد 12 .