أي : يا أيها الذين آمنوا باللَّه حق الإيمان ، لا يصح منكم ولا ينبغي لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذي آمنتم به * ( أَوْلِياءَ ) * أي نصراء وأصدقاء ، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم ، فإن ذلك لا يتفق مع الإيمان ، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم .
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة . أي : عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم ، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين . كما قال - تعالى - في آية أخرى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّه فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ « 1 » .
وفي هذا النهى - أيضا - توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم ، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون - كما حكى القرآن عنهم - نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ .
والاستفهام في قوله : * ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) * للإنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم . والمراد بالسلطان : الحجة والدليل أي : إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، فقد جعلتم للَّه عليكم حجة في عقابكم ، وفي تخليه عن نصرتكم ورعايتكم .
وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال ، أتجعلون . للمبالغة في التهويل من أمره ببيان أنه مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل إرادته ، فضلا عن صدوره في نفسه .
قال بعضهم : وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين . قال الحاكم : وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه . لا المخالقه والإحسان .
وقال الزمخشري : وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له خالص المؤمن ، وخالق الكافر والفاجر . فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن . وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن » « 2 » .
ثم بين - سبحانه - المصير الشنيع الذي سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال - تعالى - :
* ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) * أي : في الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركات لكونها متداركة أي : متتابعة بعضها تحت بعض . والدرك لغة في الدرك وهو كالدرج ، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود . والدرك يقال باعتبار النزول والحدور . ولذا قيل : درجات الجنة ودركات النار .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 28
( 2 ) تفسير القاسمي ج 5 ص 1621