اللَّه عن كل ذلك بل أمر بترك النشوز ، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ويتقى اللَّه بالأجر الجزيل .
قال القرطبي ما ملخصه : يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر . أو تعطى هي على أن يبقيها في عصمته ، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة - أي يؤثر غيرها عليها من غير عطاء فهذا كله مباح . وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيه إياها فقد غضب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم مرة على صفية فقالت لعائشة ، أصلحى بيني وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد ذهب لك يومى . قالت عائشة : فجئت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فجلست إلى جانبه . فقال : « إليك عنى فإنه ليس بيومك » فقلت : ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء . وأخبرته الخبر ، فرضي عنها . وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها « 1 » .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : إن اللَّه - تعالى - قال في نشوز المرأة : واللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ . الآية وقال في نشوز الرجل :
* ( وإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً ) * . الآية فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته ، بل جعل له ترضية وتلطفا فما معنى ذلك ؟
والجواب عن ذلك : أن اللَّه - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء ، فالرجل راعى المرأة ورئيسها المهيمن عليها . ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤس معاقبة رئيسه ، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس .
وأن اللَّه فضل الرجال على النساء في العقل والدين . ومن قضية ذلك ألا يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر . ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء تتوهمه سببا .
وأن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة . وإذا كان اللَّه قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة « 2 » .
ثم بين - سبحانه - أن تحقيق العدالة الكاملة في الحياة الزوجية غير ممكن فقال - تعالى - * ( ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) * .
والخطاب هنا للرجال الذين يتزوجون بأكثر من زوجة .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 405
( 2 ) تفسير آيات الأحكام ج 2 ص 148 لفضيلة الشيخ محمد على السائس