تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وأما موضوع الآية التي في صدر السورة وهي قوله - تعالى - فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً فيتعلق بالعدل الظاهري الذي يقدر عليه الإنسان مثل التسوية في النفقة وغير ذلك مما يقدر عليه الإنسان . ومع هذا ، فالآية التي معنا لم تطالب الرجل بالعدالة المطلقة الكاملة بين زوجاته بأن يسوى بينهن في كل شيء ، لأن العدل بهذا المعنى غير مستطاع للمكلف ولو حرص على إقامته وبالغ في ذلك . وإنما الآية الكريمة طالبته بالممكن منه فكأنها تقول : إنكم - أيها الرجال - لن تستطيعوا أن تعدلوا العدل المطلق الكامل بين زوجاتكم في القسم والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة والمحبة وغير ذلك مما لا يكاد يحصر * ( ولَوْ حَرَصْتُمْ ) * على هذا العدل الكامل أتم الحرص لما استطعتموه ، ولذلك لم يكلفكم اللَّه به ، إذ التكليف الشرعي إنما يكون بما في الوسع والطاقة ، وإذا كان الأمر كذلك فاجتهدوا ما استطعتم في العدل بين زوجاتكم ، ولا تميلوا كل الميل إلى واحدة منهن وتهملوا الأخرى إهمالا يجعلها كأنها لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة . فإن العجز عن العدل المطلق الكامل لا يمنع تكليفكم بما دون ذلك من المراتب التي تقدرون عليها قالوا : ما لا يدرك كله لا يترك كله . وبهذا نرى أن الآيتين الكريمتين تدعوان المسلم إلى العدل بين زوجاته بالقدر الذي يستطيعه بدون تقصير أو جور ، وأنهما بانضمام معناهما لا تمنعان تعدد الزوجات كما ادعى المدعون . وبعد أن رغب - سبحانه - في الصلح بين الزوجين وحض عليه ، وأمر الأزواج بالعدل بين الزوجات بالقدر الذي يستطيعونه ، عقب ذلك ببيان أن التفرقة بينهما جائزة إذا لم يكن منها بد . لأن التفرقة مع الإحسان خير من المعاشرة السيئة فقال - تعالى - * ( وإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَتِه وكانَ اللَّه واسِعاً حَكِيماً ) * . وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق اللَّه التي أوجبها على كل واحد منهما * ( يُغْنِ اللَّه كُلًّا ) * منهما * ( مِنْ سَعَتِه ) * أي يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر * ( وكانَ اللَّه واسِعاً حَكِيماً ) * أي : وكان اللَّه - تعالى - وما يزال واسعا أي واسع الغنى والرحمة والفضل * ( حَكِيماً ) * في جميع أفعاله وأحكامه . وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية السليمة ، وعالجت أمراضها بالعلاج الشافي الحكيم ، فقد أمرت الرجال بأن يؤدوا للنساء حقوقهن ، وأن يعاشروهن بالمعروف ، وأن على الزوجين إذا ما دب بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينهما بالتصالح والتسامح ، وإذا اقتضى الأمر أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية . وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين زوجاته ،
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 336 | سيد محمد طنطاوي