وقوله * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح الذي حض اللَّه عليه قبل ذلك .
أي : والصلح بين الزوجين خير من الفرقة وسوء العشرة ، اللهم إلا إذا استحال الصلح والوفاق بينهما فإنه في هذه الحالة تكون الفرقة بينهما خيرا . * ( وإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَتِه ) * .
قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * . الظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبي صلى اللَّه عليه وسلم سودة على أن تركت يومها لعائشة ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه ، وفعله هذا للتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه فهو أفضل في حقه صلى اللَّه عليه وسلم ولما كان الوفاق أحب إلى اللَّه من الفراق قال :
* ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * ، بل الطلاق بغيض إليه - سبحانه - ولهذا جاء الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد اللَّه بن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق » « 1 » .
وقوله - تعالى - * ( وأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ ) * جملة أخرى معترضة جيء بها لبيان ما جبل عليه الإنسان من طباع ، وللحض على الصلح حتى ولو خالف ما طبعت عليه النفس من سجايا .
والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه الهمزة فجعلته يتعدى لاثنين كما هنا . إذ المفعول الأول نائب الفاعل وهو الأنفس والمفعول الثاني كلمة الشح .
والشح : البخل مع الحرص ، والمراد : وأحضر اللَّه الأنفس الشح . أي جبل اللَّه النفوس على الشح بما تملكه ، فالمرأة لا تكاد تتسامح أو تتنازل عن شيء من حقها ، والرجل كذلك لا يكاد يتنازل عن شيء من حقوقه ، لأن حرص الإنسان على حقه طبيعة فيه . فعلى الزوجين أن يلاحظا ذلك وأن يخالفا ميولهما وطبعهما من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ومودة .
فالجملة الكريمة ترشد الإنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته حتى ولو أدى ذلك إلى مخالفة ما جبلت عليه نفسه .
ويرى ابن جرير أن المراد بالأنفس هنا أنفس النساء خاصة فقد قال ما ملخصه : وأولى القولين في ذلك بالصواب : قول من قال : عنى بذلك . أحضرت أنفس النساء الشح بانصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة . والشح : الإفراط في الحرص على الشيء . وهو في هذا الموضع : إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 563