تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يطلقها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللَّه . لا تطلقني واجعل يومى لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية . « 1 » وأخرج الشافعي عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك . فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن . وروى عن عائشة أنها قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول له : أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم . وقوله : * ( وإِنِ امْرَأَةٌ ) * فاعل لفعل واجب الإضمار . أي : وإن خافت امرأة خافت . وقوله : * ( مِنْ بَعْلِها ) * متعلق بخافت ، وقوله : * ( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) * جواب الشرط . والمعنى : وإن خافت امرأة من زوجها ( نشوزا ) أي تجافيا عنها ، وترفعا عن صحبتها * ( أَوْ إِعْراضاً ) * أي : انصرافا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف ما عهدته منه قبل ذلك ، ففي هذه الأحوال * ( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) * أي : لا حرج ولا إثم على الزوجة وزوجها في * ( أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً ) * يتفقان عليه فيما بينهما رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على دوامها ، وذلك بأن تترك المرأة بعض حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على إزالة ما في نفسه من استعلاء وانصراف عنها . وقوله * ( صُلْحاً ) * مفعول مطلق مؤكد لعامله . أو مفعول به على تأويل يصلحا بيوقعا صلحا . و * ( بَيْنَهُما ) * حال من * ( صُلْحاً ) * لأنه كان نعتا له ونعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا ، وفيه إشارة إلى أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس على ذلك . بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما . وقد عبر - سبحانه - عن طلب الصلح بقوله * ( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) * ترفقا في الإيجاب ، ونفيا لما يتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى إلى الإثم ، لأن الصلح بينهما يقتضى أن يتسامح أحد الزوجين في جزء من حقه ليظفر بخير أكثر مما تسامح فيه . فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم عشرتها مع زوجها بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير . وأكد - سبحانه - هذا الصلح بقوله * ( صُلْحاً ) * للإشارة إلى وجوب أن يكون الصلح بينهما حقيقيا لا شكليا ، وأن يكون بحيث تتلاقى القلوب ، وتصفو النفوس . وتشيع بينهما المودة والرحمة ، ويرضى كل واحد منهما بما قسم اللَّه له .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 65
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 330 | سيد محمد طنطاوي