قلت : الخطاب للجميع . فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له . كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - : درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة . وأربعة أربعة . ولو أفردت لم يكن له معنى .
فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو ؟
قلت : كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك . ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة . وليس لهم أن يجمعوا بينها . فيجعلوا بعض القسم على تثنية ، وبعضا على تثليث ، وبعضا على تربيع ، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو .
وتحريره : أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع : إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد ، وإن شاؤوا متفقين فيها ، محظورا عليهم ما وراء ذلك » « 1 » .
ثم بين - سبحانه - لعباده ما ينبغي عليهم فعله في حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى - * ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) * .
فالمراد بالعدل هنا : العدل بين الزوجات المتعددات .
أي : فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة في القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم ، كما علمتم في حق اليتامى أنكم لا تعدلون - إذا علمتم ذلك فالزموا زوجة واحدة ، أو أي عدد شئتم من السراري بالغة ما بلغت .
فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى والثلاث والرباع من النساء ، أنبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل . فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزوا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة .
ومفهومه : إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعددات .
وقوله * ( فَواحِدَةً ) * منصوب بفعل مضمر والتقدير : فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به .
وقرئ بالرفع أي فحسبكم واحدة . * ( أَوْ ) * للتسوية أي سوى - سبحانه - في السهولة واليسر بين نكاح الحرة الواحدة وبين السراري من غير تقييد بعدد ، لقلة تبعتهن ، ولخفة مؤنتهن ، وعدم وجوب القسم فيهن .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 468 .