وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من الأربع الحرائر ، لأن ما ذهب إليه هؤلاء المبتدعة لا يعتد به . إذ الإجماع قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين المخالفين .
وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم ، ومن العلماء الذين تولوا الرد عليهم الإمام القرطبي فقد قال - ما ملخصه - :
« اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع . كما قاله من بعد فهمه عن الكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ، وعضد ذلك بأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن في عصمته . والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ، جعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع .
وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لا يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع .
وأخرج مالك في الموطأ والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة « اختر منهن أربعا وفارق سائرهن » .
وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فذلك من خصوصياته .
وأما قولهم إن الواو جامعة . فقد قيل ذلك ، ولكن اللَّه - تعالى - خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول ، أعط فلانا أربعة ، ستة ، ثمانية ، ولا يقول : ثمانية عشر .
وإنما الواو في هذا الموضع بدل ، أي انكحوا ثلاث بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع .
وقد قال مالك والشافعي في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع : عليه الحد إن كان عالما .
وقال الزهري : يرجم إن كان عالما ، وإن كان جاهلا فعليه أدنى الحدين الذي هو الجلد ، ولها مهرها ، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا » « 1 » .
كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن اللَّه تعالى وإن كان قد أباح التعدد وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، إلا أنه - سبحانه - قد قيد هذه الإباحة
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 17 .