تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
أما الأمر الخامس الذي توعد الشيطان به بني آدم فقد حكاه - سبحانه - في قوله * ( ولآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه ) * . قال ابن كثير : أي دين اللَّه . وهذا كقوله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه على قول من جعل ذلك أمرا أي : لا تبدلوا فطرة اللَّه ، ودعوا الناس على فطرتهم . كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء . هل تجدون بها من جدعاء ؟ » وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال اللَّه - تعالى - : « إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » « 1 » . وقال بعضهم : المراد بتغيير خلق اللَّه تغيير الصور التي خلق اللَّه عليها مخلوقاته ، كفقأ عين فحل الإبل في بعض الأحوال ، وقطع الآذان ، والوشم ، وما يشبه ذلك مما كانوا يفعلونه في جاهليتهم اتباعا للشيطان . وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق اللَّه : تغيير دين اللَّه فقال ما ملخصه : « وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : ولآمرنهم فليغيرن خلق اللَّه ، قال : دين اللَّه . وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه وهي قوله : فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . وإذا كان ذلك معناه ، دخل في ذلك فعل كل ما نهى اللَّه عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه ، ووشم ما نهى عن وشمة ، وغير ذلك من المعاصي « 2 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو مقاله حتى يحذروه ويتخذوه عدوا لهم ، لينالوا رضا اللَّه ومثوبته . وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : * ( ومَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّه فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ) * . أي : ومن يتخذ الشيطان وليا من دون اللَّه ، بأن يتبع الشيطان ويواليه ويسير خلف
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 285 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 285 .