قالوا : وقد ختمت هذه الآية بقوله : ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً لأنها في شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته صلى اللَّه عليه وسلم وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومع ذلك فقد حملهم الحسد على إنكار الحق ، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم في الكذب والجرأة على اللَّه .
وختمت الآية التي معنا بقوله - تعالى - : * ( ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ) * لأنها في قوم مشركين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحيا ، فأتاهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وميز لهم طريق الرشد من طريق الغي ، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا واضحا عن طريق الحق . وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم .
ثم فصل - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال : * ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه إِلَّا إِناثاً ) * .
و * ( إِنْ ) * هنا هي النافية . ويدعون من الدعاء وهو هنا بمعنى العبادة لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه .
والمراد بالإناث : الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه .
أي : أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون اللَّه إلا أصناما ، أو ما ينادون من دون اللَّه لقضاء حوائجهم إلا أوثانا لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا .
وعبر عن الأصنام بالإناث لأن المشركين سموا أكثر هذه الأصنام بأسماء الإناث ، كاللات والعزى ومناة .
قال الحسن : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بنى فلان وكانوا يزينونه بالحلى كالنساء .
وقيل : المراد بالإناث هنا الملائكة ، لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون عنها : بنات اللَّه . قال - تعالى - وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً .
وقيل : المراد بها هنا : الجمادات التي لا حياة فيها ومع ذلك يعبدونها .
قال أبو حيان : قال الراغب : أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير فاعلة . فبكتهم اللَّه أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلا من كل وجه . وعلى هذا نبه إبراهيم - عليه السلام - أباه بقوله : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 352 .