تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وقد رجح ابن جرير القول الأول فقال : وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك تأويل من قال : عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون اللَّه ، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ، ما عرف بالتأنيث دون غيره فإذا كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه . فكأنه - تعالى - يقول : فحسب هؤلاء الذين أشركوا باللَّه وعبدوا ما عبدوا من دونه حجة عليهم في ضلالهم وكفرهم أنهم يعبدون إناثا . والإناث من كل شيء أخسه . فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر « 1 » . وقوله * ( وإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) * بيان لما دفعهم إلى الوقوع في ذلك الضلال الذي انغمسوا فيه . ومريدا . أي عاتيا متمردا بالغا الغاية في الشرور والفساد . قال الراغب : والمارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعرى من الخيرات . من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق . ومنه قيل رملة مرداء أي : لم تنبت شيئا . ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر « 2 » . فأصل مادة مرد للملاسة والتجرد . ومنه قوله - تعالى - رْحٌ مُمَرَّدٌ أي أملس . ووصف الشيطان بالتمرد لتجرده للشر . وعدم علوق شيء من الخير به . أو لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء . والمعنى : إن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون اللَّه إلا أصناما سموها بأسماء الإناث ، وما يطيعون في عبادتها إلا شيطانا عاتيا متجردا من كل خير ، ومتعريا من كل فضيلة . فهذا الشيطان الشرير دعاهم لعبادة غير اللَّه فانقادوا له انقيادا تاما . وخضعوا له خضوعا لامكان معه لتعقل أو تدبر . وقوله * ( مَرِيداً ) * صفة لشيطان . وقوله * ( لَعَنَه اللَّه ) * صفة ثانية . أي : طرده من رحمته طردا مقترنا بسخط وغضب . ثم حكى - سبحانه - أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بني آدم عن طريق الحق
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 380 . بتصرف وتلخيص . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 466 .