تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس في سبب نزول قوله - تعالى - * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * . الآية : أن شيخا من العرب جاء إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : إني شيخ منهمك في الذنوب . إلا أنى لم أشرك باللَّه شيئا منذ عرفته وآمنت به . ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أوقع المعاصي جراءة . وما توهمت طرفة عين أنى أعجز اللَّه هربا . وإني لنادم تائب . فما ترى حالي عند اللَّه - تعالى - ؟ فنزلت « 1 » . والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر سواء أكان هذا الكفر من أهل الكتاب أم من العرب أم من غيرهم . والمعنى : إن اللَّه لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له ممن اقترفها إذا مات من غير توبة . فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة اللَّه إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة . وأما قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . فمقيد بالمشيئة أي : يغفر الذنوب جميعا لمن شاء أن يغفر له . ومقيد أيضا بما عدا الشرك . أي يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك فإنه لا يغفره لمن مات عليه . ثم بين - سبحانه - سوء حال المشركين فقال : * ( ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ) * والضلال هو السير في غير الطريق الموصل إلى النجاة . أي : ومن يشرك باللَّه - تعالى - بأن يعبد سواه ، أو يجعل معه شريكا في العبادة فقد سار في طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك ، ويفضى به إلى العذاب المهين . وهذه الآية قد مر الكلام مفصلا في آية تشبهها من هذه السورة وهي قوله - تعالى - إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 147 . ( 2 ) الآية رقم 48 .