وقال القرطبي : ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا . وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه « 1 » .
وقوله * ( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيراً ) * بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين آثروا العيش في أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإسلام .
أي : فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم * ( مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) * أي : مسكنهم الذي يأوون إليه في الآخرة جهنم ، وهي مصيرهم الذي يصيرون إليه * ( وساءَتْ مَصِيراً ) * أي : وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى ، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم .
وجئ باسم الإشارة * ( فَأُولئِكَ ) * للإشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التي وصفوا بها قبله ، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم .
والمخصوص بالذم في قوله * ( وساءَتْ مَصِيراً ) * محذوف . أي : جهنم .
ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السيئ لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال : * ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) * .
أي : أن هذا المصير السيئ والعذاب المهين هو للذين ظلموا أنفسهم بترك الهجرة إلى المسلمين مع قدرتهم عليها ، لكن هناك طوائف من الناس خارجون من هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ومن هذا المصير الأليم ، وهم أولئك الرجال الذين عجزوا حقا عن الهجرة لضعفهم أو مرضهم أو شيخوختهم . . أو النساء اللائي لا يستطعن الخروج وحدهن خشية من الاعتداء عليهن أو الولدان الذين لم يبلغوا الحلم بعد ، أو بلغوه بلوغا قريبا لكنهم لا يستطيعون الهجرة بمفردهم لقلة ذات يدهم أو لغير ذلك من الأعذار الصحيحة .
وقوله * ( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) * جملة مستأنفة موضحة لمعنى الاستضعاف .
حتى لا يتوهم متوهم أن استضعاف هؤلاء كالاستضعاف الذي تذرع به أولئك الذين ظلموا أنفسهم عندما قالوا - كما حكى القرآن عنهم - * ( كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) * . ويصح أن تكون حالا من المستضعفين .
أي : ليس مندرجا مع الذين ظلموا أنفسهم فاستحقوا المصير السيئ أولئك الضعفاء من الرجال والنساء والولدان لأنهم * ( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ) * في الخروج إذ لا قوة لهم على الخروج
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 346