تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته « فقد وقع أجره على اللَّه » أي : فقد ثبت ووجب له الأجر عند اللَّه - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما * ( وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ) * فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير ، ويرحمه برحمته الواسعة . وقوله * ( ثُمَّ يُدْرِكْه ) * بالجزم عطفا على فعل الشرط وهو * ( ومَنْ يَخْرُجْ ) * . وجوابه قوله : * ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى اللَّه ) * . قال الآلوسي : وقرئ * ( ثُمَّ يُدْرِكْه ) * بالرفع . وخرجه ابن جنى على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله . والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي : ثم هو يدركه الموت « 1 » . وفي التعبير بقوله * ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُه عَلَى اللَّه ) * بعث للطمأنينة في قلوب المهاجرين ، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة اللَّه لأنهم إذا وصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم اللَّه بالخير من فضله ، وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم - سبحانه - ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن نياتهم ، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو . وقد وردت روايات في سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) * . . الآية فقال لبنيه : احملونى فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدى إلى الطريق ، وإني لا أبيت الليلة بمكة . فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا ، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول : اللهم هذه لك . وهذه لرسولك صلى اللَّه عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت الآية « 2 » . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه . قال القرطبي : في هذه الآيات دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي . وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصي في أرض فأخرج منها . وتلا * ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) * . وقال مالك : هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام في أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 127 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 129 ( 3 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 348