قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات - : هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية . .
وقوله : * ( تَوَفَّاهُمُ ) * يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، وتركت علامة التأنيث للفصل ، ولأن الفاعل ليس مؤنثا تأنيثا حقيقيا . ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله « تتوفاهم » فحذفت إحدى التاءين تخفيفا . وهو من توفى الشيء إذا أخذه وافيا تاما .
والمراد من التوفي : قبض أرواحهم وإماتتهم . وقيل المراد به : حشرهم إلى جهنم .
والمراد من الملائكة : ملك الموت وأعوانه الذين يتولون قبض الأرواح بإذن اللَّه وأمره .
وظلم النفس معناه : أن يفعل الإنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفرا أم معصية .
وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه .
والمعنى : إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان ، وإقامتهم في أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها ، وعدم هجرتهم إلى الأرض التي يقيم فيها إخوانهم في العقيدة مع قدرتهم على الهجرة . . .
إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال ، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم : « فيم كنتم » أي : في أي حال كنتم ؟ أكنتم في عزة أم في ذلة ؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوكم وسخروا من دينكم ؟ أو المعنى : في أي شيء كنتم من أمور دينكم ؟
* ( قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) * أي : قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة : كنا في الدنيا يستضعفنا أهل الشرك في أرضنا وبلادنا ، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئا . وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم ، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر ، بل ردت عليهم بما حكاه اللَّه - تعالى - في قوله : * ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) * ؟
فالاستفهام لإنكار عذرهم ، وعدم الاعتداد به .
أي أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الآلوسي - : إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير ، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 275
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٧٥