الحبشة وإلى المدينة . أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء اللَّه - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول ، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم « 1 » .
وقوله * ( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) * جملة حالية من ضمير المفعول في قوله : * ( تَوَفَّاهُمُ ) * أي : تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم لأنفسهم . والإضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفا . والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا .
قال الجمل ما ملخصه : وخبر إن في قوله * ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ) * . محذوف تقديره : إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا . ويكون قوله : * ( قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ) * مبينا لتلك الجملة المحذوفة . أو يكون الخبر قوله * ( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) * ودخلت الفاء في الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط . . . « 2 » .
وقوله * ( قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) * جملة مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر فكأنه قيل :
فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة ؟ فكان الجواب : كنا مستضعفين في الأرض .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح وقوع قوله « كنا مستضعفين في الأرض » جوابا عن قولهم : فيم كنتم وكان حق الجواب : كنا في كذا أو لم نكن في شيء ؟ قلت معنى « فيم كنتم » التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا .
فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به ، واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء . فبكتتهم الملائكة بقولهم : * ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) * ، أرادوا : إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم .
وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق اللَّه وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة .
ويبدو أن الإمام الزمخشري كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإقامة بجوار بيت اللَّه الحرام ، فقد قال خلال تفسيره لها « اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمتك .
وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة » « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 126 - بتصرف يسير .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 416 .
( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 555